ياقلبــــــــــــــــــــــــى لا تحـــــــــــزن

وماعجبى موت المحبين فى الهوى...........ولكن بقاء العاشقين أعجب
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 طرق لحل المشكلات التى تواجه اللغة العربية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
GEMY
Admin


عدد المساهمات : 112
تاريخ التسجيل : 23/10/2012
العمر : 23

مُساهمةموضوع: طرق لحل المشكلات التى تواجه اللغة العربية   الثلاثاء نوفمبر 27, 2012 5:36 pm


النهوض باللغة العربية


قبل أن أشرع في ذكر السبل التي تعين على النهوض باللغة العربية والارتقاء بها فإنه ينبغي علينا أن ندرك أهمية هذه اللغة ومكانتها المرموقة خاصة وأنها هي اللغة التي أنزل الله بها كتابه الكريم وهي اللغة التي ندين بها الله - عز وجل - ونتقرب إليه بما شرع لنا بها. فإن نهضنا بها فإننا في الحقيقة ننهض بديننا ونعتز به وإن تركناها ولم نسعى للنهوض بها فإننا في الحقيقة نعْرِض عن ديننا ونعرّضه للأعداء يتربصون به وينالون منه، فاللغة والدين أمران لا غنى لأحدهما عن الآخر. ومن هنا رعى العلماء هذه اللغة واهتموا بها وألفوا فيها الكتب وحثوا على تعلمها وتعليمها.

وسوف أسوق لكم بعد هذه المقدمة المختصرة بعض النقاط التي تعين على النهوض باللغة العربية وبعدها أذكر لكم بعض النماذج التي تبين اهتمام السلف باللغة العربية والحث عليها والنهوض بها:

1. يجب علينا أن نذكي في نفوس الناس أهمية هذه اللغة ومكانتها وأنه لا غنى لنا عنها كما يجب أن نعتز بها لا بغيرها من اللغات كما هو الحاصل عند بعض الناس مع الأسف.

2. علينا أن نعلم أن اللغة بحر ولا تكفي السباحة فيه بل أن نغوص في مكنونه ونستخرج منه المعاني الجميلة والبديعة التي تصنعه وتلبسه لباس جذاباً.

3. علينا أن نقلل قدر المستطاع من اللهجة العامية وخاصة في كتاباتنا ومقابلاتنا وأن نحاول التجديد في استعمال الكلمات العربية خاصة وأن بعضها له عدة ألفاظ بمعنى واحد وهذه ميزة تساعدنا على التجديد في استخدامها.

4. دراسة الشعر الجاهلي والوقوف على خصائصه، (فلقد استوعب الشعر العربي الجاهلي كل خصائص الأصل العربي وأحاط بأكثر المادة اللغوية في لغة العرب استعمل العرب في أشعارهم الثروة اللفظية الهائلة في فنهم الشعري فكان الشعر الجاهلي فناً مستوفياً أسباب النضج اللغوي والكمال الفني)1. ومن هنا ندرك السر في توصية الصحابة والسلف بالعناية بالشعر الجاهلي.

5. محاولة التخلص من الألفاظ الدخيلة على اللغة العربية والتي تأثر بها بعض الكتّاب فأصبحوا يكثرون منها حتى صارت معروفة في كتاباتهم ولو أنهم بحثوا في اللغة العربية لوجدوا ما يغنيهم عنها، خاصة وأن العامة من الناس قد يعتقدون أنها من اللغة العربية فيشكل عليهم بحثها والتعرف على معناها.

6. قراءة المعاجم في اللغة حتى يكون لدى الشخص ملكة لغوية قوية ترده عن الوقوع في الأخطاء اللغوية.

7. تبيين الأخطاء اللغوية الشائعة والتشهير بها وتصحيحها كي يتجنب الناس الوقوع فيها.

* بعض النماذج التي تبين اهتمام السلف باللغة العربية والحث عليها والنهوض بها:

1. فمن ذلك (ما جاء عن يحيى بن عتيق قال قلت للحسن يا أبا سعيد الرجل يتعلم اللغة العربية يلتمس بها حسن المنطق ويقيم بها قراءته، قال الحسن يا ابن أخي فتعلمها فإن الرجل يقرأ الآية فيعْيَ بوجهها فيهلك بها)2.

2. قال الشاطبي (من أراد تفهم القرآن فمن جهة لسان العرب يفهم ولا سبيل إلى تطلب فهمه من غير هذه الجهة)3.

3. وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: (الشعر ديوان العرب فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب رجعنا إلى ديوانها فلتمسنا ذلك). وفي رواية قال: (إذا سألتموني عن غريب القرآن فلتمسوه في الشعر فإن الشعر ديوان العرب)4.

4. قال عمر - رضي الله عنه -: (أيها الناس تمسكوا بديوان شعركم في جاهليتكم فإن فيه تفسير كتابكم)


تنمية اللسان


قال الأخطلُ:

إنَّ الكلامَ لفي الفؤادِ و إنما * * * جُعلَ اللسانُ على الفؤادِ دليلا

اللسانُ آلةُ التعبيرِ عمَّا في القلبِ، بِهِ يُظهرُ الشخصُ مُراده و مقصدَه، يَصِلُ المعنى المُرادُ إليه بعد تفهُّمِ العقلِ لما في القلبِ، و اختلاف التعبيرِ بِه باختلافِ تبيُّنِ العقلِ له، و تبيُّنُ العقلِ متفاوتٌ بقدرِ فهمه لمقصد القلب.

يرْغبُ كثيرٌ من الكَتَبَةِ و المُتكلِّمَةِ أن تكون أطروحاتهم ذات تميُّزٍ لُغويٍ، و لكنْ لا يهتدي غالبُهم لطريقِ تنميةِ ذلك، رغبةً في مشاركةِ الإنماءِ الذاتي، و تطويرِ الطاقاتِ البشرية، و حفظِ جوهرية اللسانِ كانت هذه الأكتوبةُ موجزةٌ، تُبرزُ معالمَ الطريق، مُهداةً لكلِّ صديقٍ.

[تنبيهٌ: سأذكرُ ما أقدرُ عليه مِن كتُبٍ في مواضِعَ ليسْهُل الرجوعُ إليها]

قِوامُ التنمية:

لتنمية اللسان ركائزُ هيَ قِوامُ بُنيانها:

أولها: بُنيةُ الكلام، فإنَّ الكلامَ العربيَّ قائمٌ في بُنيتِه على أساسين:

الأول: بناءٌ صرْفيٌّ، و هو ما يقصده النحاةُ و الصرْفيون من تأسيس بُنية الكلمة و ذكر أصلها و تحويلها حسْبَ الأحوال.

الثاني: بناءٌ إعرابي، حيثُ مراعاة وضْعِ الكلمةِ في إعرابها، حيثُ: الرفعُ و النصبُ و الخفضُ الجرُّ و الجزمُ، و لكلٍّ علاماتها من حركةٍ أو حرْفٍ، و يُذكرُ ذلك في أبواب النحوِ.

الاعتناءُ بالبُنيةِ الكلامية من هذه الجهةِ تأسيسٌ لصحةِ الكلمة، و تدعيمٌ قوي لقاعدة اللسان، حيثُ سلامةُ الكلمةِ من الخطأ البُنْيَوي، تجدُ في بعضِ الكتاباتِ و التبعيضُ تكثيرٌ، هنا مَن لا يُحسنُ ذكرَ أصلِ الكلمةِ صرفياً، و يُخطيءُ الأكثرون في سَوقِها نحْوياً، وباختلال البُنيةِ اختلالُ المعنى.

ثانيها: حليةُ الكلام، لكلِّ بُنيةٍ حِلْيَةٌ، و حليةُ الكلامِ جمالٌ أخاذٌ، و سحرٌ جذَّاب، يسلبُ لُبَّ القارئ، و يسرقُ قلبَ السامع، و الإبداعُ مرتَعٌ خَصْبٌ، و مورِدٌ عذبٌ، يشتكي في ظلمةِ ليله هجرَ الوُرَّاد، و يُظمئُ نهارَ لفظه في مغازلةِ السُّهاد.

حِليةُ الكلامِ تنتظمُ:

أولاً: حليةٌ لفظيةٌ، و هي المُحسِّناتُ اللفظيةُ في الكلام، فجمالُ الكلمةِ في لفظةٍ حسنةٍ، و عبارةٍ مُستحسنةٍ، أجاد اللغاةُ في وضعها، و حُليُّ اللفظِ أقسامٌ:

القسم الأول: الغريبُ، فإنَّ لغريبِ اللغةِ رنةً، تلفتُ النظرَ إليها، و الغريبُ ما استغربَه الشخصُ لِجِدَّتِهِ عليه و جودتهِ في اللغة، و لا يُنظر للغريبِ المُسْتَهجنِ لفظاً أو معنى فهو تقبيحٌ للحسنِ، مذمومٌ عند اللغويين.

من الغريبِ المكتوبِ ما كان من ذكرِ ألفاظٍ تؤدي معنى واحداً، كتبَ فيه: الهمذاني في " الألفاظ الكتابية " و تحقيقُ أميل يعقوب أجملُ لأنه تمَّمَ فصولَ الكتاب بالفائتِ معتمداً على " نُجعة الرائد " لليازجي، و ابنُ مالكٍ في " الألفاظ المختلفة في المعاني المؤتلفة ".

القسم الثاني: الشعرُ، فللشعرِ رونقاً في النثرِ، و لا زال الناسُ يأذخهم الشعرُ و معناه، و يسحرهم القريض و مبناه، ومنثورِ حِكمِ الشعرٍ كثيرٌ جداً، و شواهده أكثر.

و حيثُ كثرَ الشعراءُ، و لزمت الكَتَبَةَ الحيرةُ فإن الانتقاءَ حسنٌ، و قد كان مسلكاً جميلاً أخذ به أفذاذ العربية، فانتَقَوا:

أشعاراً، حِساناً، مِن أجمعِ ما وقفتُ عليه: " مختاراتُ البارودي " في أربعِ مجلداتٍ، و " مجمع الحكم و الأمثالِ " لأحمد قَبَّش.

- شعراءَ، يأخذُ عقلَ بعضٍ شعراءَ بشعرهم، لتوافُقٍ و انجذابٍ، و لجودةٍ و انسياب، لديَّ الشعراءُ السِّتة: أبو الطيِّبِ المتنبي، الشريفُ الرضي، ابنُ المعتزِّ، صفيُّ الدين الحِلِّي، أحمد شوقي، محمود البارودي.

القسم الثالث: السَّجعُ، سحرٌ حلالٌ، نثرٌ أشبهُ بشعرٍ، أفضلُه ما تساوتْ فِقَرُه، و حُسنه في رصانةِ تركيبِهِ، و سلامته من التكلف، و خلوِّه من التَّكرارِ، سلكه البلغاءُ و الأدباءُ، سهلٌ لمن أكثر القراءة في كتاباتِهم، و أدمن النظر في ألفاظ العربية.

حسنٌ قراءةُ: " المقامات " للحريري، و كتبِ ابن الجوزي، و غيرهما.

ثانياً: حليةٌ معنويةٌ، تسري المعاني حيث المباني، و كذا العكس، فكما المعنى في بطنِ الشاعرِ، فكذا النثرُ، إذا ما حُلِّيَ اللفظُ بحليته المعنوية، و حليةُ المعنى الكلامي في بلاغته، و هي تجويدٌ معنويٌّ في تشييدٍ لفظي، و البلاغةُ: معاني، و بيانٌ، و بديعٌ، و لكلٍّ بَحثُها مطوَّلاً.

أملي بوضعٍ نقاطٍ على أحرفٍ، على وِجازةٍ كما ذكرتُ، و الحالُ الاختصارُ لطرْحٍ موسَّعٍ.



الأطفال واللغة العربية


يدافع الدكتور عبد الله مصطفي الدنان عن نظريةٍ مفادها أنه يمكن اكتساب اللغة العربية الفصحى بالفطرة، وأنه يمكن تعليمها للأطفال في البيت وأكثر من ذلك، قبل بلوغ سن السادسة من العمر، أي قبل دخول المدرسة أصلاً.

والدكتور الدنان، وهو أستاذ جامعي فلسطيني، مارس رسالة التربية والتعليم في مختلف المؤسسات التعليمية أكثر من نصف قرن وله بحوث لغوية ونتاج أدبي شعري وقصصي، وتحمل سلسلة قصصه للأطفال الاسم "الحيوانات تفكر".

وهو المقتنع بأن الفشل في تعليم العربية الفصيحة لا ينبع من صعوبتها بل من مناهج تدريسها.

بدأ تطبيق نظريته هذه، نظرية اكساب الطفل العربية الأدبية بالفطرة والممارسة، على ولديه في البيت وقد ملكا ناصيتها وهما يافعان.

تستند رؤية الدنان في تعليم العربية الفصحى للطفل إلى الحقيقة العلمية القائلة: إن للأطفال حتى سن السادسة قدرة فطرية ضخمة لاكتساب المهارات اللغوية.

وقد كشف علماء لغة معروفون منذ نصف قرن مثل "نعوم تشومسكى" و"إرفن" و"لينبرغ" عن تلك الطاقة الفعالة في دماغ الطفل في تعلم اللغات وإماطة اللثام عن المنظومة القواعدية بشكل ذاتى داخلى ومعقد، وسماها " تشومسكى" الطاقة الفطرية أو النظام في المخ باسم Language Acquisition Device، LAD، وفي مقدور الطفل إجادة لغتين أو أكثر في آن واحد إذا ما وجد في ظروف طبيعية لاستعمال هذه اللغات. يقوم الطفل كلغوي صغير باستخدام غير متناه لوسائل متناهية كما قال، وقد أشار "لينبرغ" إلى أن هذه القدرة اللغوية الفطرية تأخذ بالضمور والانحسار بعد السن السادسة وتتلاشى قريباً من سنّ البلوغ، حيث تأتى مرحلة منصبّة بمعظمها على اكتساب المعرفة، بعبارة أخرى، بعد عمر الست سنين يحتاج الطفل لبذل جهد ملحوظ في عملية تعلم اللغة وغالبا ما تكون عبر برامج دراسية منتظمة وطويلة.

ويطلق عادة على اللغة التي اكتسبها الطفل في السنوات الست الأولى "لغة الأم" ويتم هذا التحصيل العفوي دون لأيٍّ أو تعب بعكس ما يحصل بعد هذه السن.

ولللغة الأولى تأثير سلبي في مرحلة تعلم اللغات الأخرى نحواً وصرفاً، صفوة القول، لغة الأم لدى كل عربي هي لهجة معينة وما أكثر هذه اللهجات في عالمنا العربي، أما الفصحى فليست لغة أم أي عربي بالمعنى المتعارف عليه لهذا المصطلح.

واقع التلميذ العربي على ضوء هذا الأساس العلمي النظري لافت حقاً للانتباه والتفكير، يلتحق هذا التلميذ بالصف الأول بعد إتقانه للهجته الخاصة بأهله وبمكان سكناه إلا أن هذه اللهجة ليست وسيلة لاكتساب العلم والمعرفة وفق المناهج التعليمية الرسمية وينبغي عليه تعلم لغة تختلف كثيراً عن لهجته تلك، العربية الفصيحة.

وضعُ هذا التلميذ صعب، إنه معاكس لطبيعة الخلق، قدرته الدماغية لتعلم اللغات آخذة بالتناقص زد إلى ذلك الحاجة الملحة لاكتساب أصناف مختلفة من المعرفة في مواضيع كثيرة كالدين والحساب والرسم وجميع المعارف. بعبارة موجزة على ابن العرب أن يتعلم المعرفة ووسيلتها، اللغوية، في آن واحد، في حين أن أطفال الشعوب الأخرى يكرّسون اهتمامهم الرئيس في تحصيل العلم والمعرفة، وقد قيل “إن التلميذ العربي يشبه الصياد الذي ذهب إلى البحر ونسى شبكة الصيد”.

وهذا الازدواج اللغوي العميق، اللغة المكتوبة واللغة المنطوقة يرافق الإنسان العربي وينغّص حياته التعليمية فترة طويلة من عمره وقلما تغدو الفصحى لغة أم.

واللهجة قد تستخدم لغة تواصل وشرح للمادة التدريسية ويُلجأ للفصحى عند القراءة والكتابة، يشرح المعلم المواد التدريسية بالعامية لأنه أولاً: وفي الغالب الأعمّ لا يتقن اللغة الفصيحة.

وثانياً: بغية إيصال المعرفة للتلميذ الذي لا يعرف الفصحى أيضاً، ويتخبط التلميذ بين محاولة فهم المادة من جهة والقدرة على التعبير عن ذلك بالفصحى، كما يطلب منه من جهة أخرى، وكثيراً ما ينتج عن مثل هذه الظروف الضاغطة والمحبطة حفظ المادة عن ظهر قلب دون فهم قسم كبير منها. يعانى الطفل العربي من صعوبة في فهم المادة بسبب اللغة ومن صعوبة في التعبير عن هذا الفهم الجزئي وغالبا ما يولى طريقة التعبير أهمية كبرى على حساب المضمون. ومن الأقوال الشائعة أنه على العربي الفهم أولاً ليقرأ بشكل سليم ثانياً، بعكس معظم شعوب العالم. وهذه العلاقة غير الودية ما بين التلميذ منذ نعومة أظفاره والكتاب أي اللغة المكتوبة، تنمو وتتفاقم لتصل إلى ما نلمسه في أيامنا هذه، أمة اقرأ لا تقرأ، وإن قرأت فبالأذنين.

ومن البدهي أن حفظ المادة غير المقرون بالفهم والتفكيك والتحليل لا يتمخّض عنه نمو منطقي ومعرفي واسع وعميق ومستديم.

وهناك بعض البحوث التي تربط ما بين الضعف العام في الرياضيات وضعف الطلبة في اللغة العربية الفصحى.

بعبارة قصيرة، فهم المقروء معضلة تربوية جوهرية يعانى منها الطالب العربي حتى بعد المرحلة الثانوية ولا بد من بحث هذه النقطة بشكل شامل ودوري والعمل على إيجاد الحلول الناجعة للقضاء على هذه الظاهرة المؤرقة.

على ضوء هذا يرى الدكتور الدنان ضرورة استغلال القدرة الفطرية الطفلية في اكتساب العربية الفصحى قبل سن السادسة "انظر في كتابه: برنامج تعليم المحادثة باللغة العربية الفصحى. القاهرة 2006".

وكان الدنان قد قام بهذه التجربة الرائدة على ابنه البكر “باسل” عندما كان ابن أربعة أشهر في بدايات العام 1978، أي مخاطبته بالعربية الفصيحة " المعربة" في حين تحدثت الوالدة إليه بالعامية الدمشقية.

ولوحظ أن الابن بدأ بالاستجابة للكلام الفصيح فهماً عندما بلغ عمره عشرة أشهر، ولدى د الدنان اثنا عشر شريطاً مسجلاً، لابنه وهو في سن الثالثة كان باسل قادراً على التواصل بالفصحى دون أخطاء وهناك شريط فيديو يؤرخ لهذه الفئة العمرية وفي مرحلة الصف الثاني كان باسل قد قرأ ثلاثمائة وخمسين كتاباً.

واستمر الدكتور الدنان بتجربته اللغوية الجريئة هذه مع ابنته "لونه" التي تصغر أخاها بأربعة أعوام وتكللت التجربة هذه بالنجاح أيضا. هؤلاء الثلاثة يتحادثون مع بعضهم بالفصحى أما مع الآخرين فيستعملون العامية، تجربة الدنان هذه شبيه بتجربة من أحيا لغة اليهود " العبرية " إليعزر بن يهودا "1858-1922" في أواخر القرن التاسع عشر في فلسطين مع ابنه "إيتمار" المعروف باللقب “الولد العبرى الأول”، تكلم بالعبرية الحديثة بعد أن كانت لغة مكتوبة "ميتة" مدة سبعة عشر قرناً من الزمان.

وإيتمار هذا المقدسي المولد كان نشيطاً في الحركة الصهيونية وزاول مهنة الصحافة وكان له الفضل في صياغة كلمات عبرية جديدة مثل ما معناه بالعربية: استقلال، سيارة، صحفي، لاسلكي، سياسي، مظلة شمسية، سابقة.

يتكون برنامج الدنان لتدريب المعلمين والمعلمات للتحدث بالفصحى من عشرة محاور تشمل مختلف الأنشطة والمواقف الحيوية داخل الصف وخارجه وتستغرق مدة التدريب ثلاثين ساعة فقط موزعة على خمسة عشر يوماً.

أسّس الدنان “دار الحضانة العربية” بالكويت في أواخر الثمانينيات من القرن العشرين ثم “روضة الأزهار العربية” بدمشق عام 1992، ولغة التواصل ما بين المعلمات والأطفال هي الفصحى، وتشير التقارير التي أعدها باحثون ومربّون من أقطار عربية كمصر والمغرب والأردن وأخرى أجنبية كالولايات المتحدة وإنجلترا إلى نجاح هذه التجربة نجاحاً باهراً وقد طالبت هذه التقارير بتشجيع وتعميم هذه الفكرة.

ثمرة هذا الجهد الدؤوب تظهر في أشرطة فيديو وقد حصل الدنان على ثلاث جوائز ذهبية في أواخر التسعينيات من القرن الماضي من اللجنة العلمية السورية لتقويم المبدعين وقامت روضات أخرى في دمشق باتباع نفس النهج.

ويرى د الدنان أن للمرحلة الابتدائية أهمية قصوى في إكساب فلذات أكبادنا ناصية اللغة العربية، العروة الوثقى بين العرب، فهي موحِّدة، واللهجات القطرية مفرِّقة. ومن المعروف أن الأسلوب التواصلي الوظيفي هو الأنسب والأحدث في تعلم اللغات ويدعى هذا النمط من التعليم بما يمكن تعريبه بـ"الاستغراق" أو "التغطيس" اللغوي، استخدام لغة الهدف على الدوام ومع الجميع وفي كل الظروف والحيثيات داخل الصف وخارجه طيلة الدوام المدرسي الرسمي، بعبارة أخرى ربط اللغة بالواقع المعاش بكل تجلياته، "فالسماع أبو الملكات اللسانية" كما قال عالم الاجتماع الفذّ عبد الرحمن ابن خلدون ت 808هـ.

يبدو لنا أن تجربة الدنان تستحق كل اهتمام ونقاش وتطوير مستمر لأن الفكرة في جوهرها صائبة وقد تساهم إذا ما توفّرت الإمكانيات وتظافرت الجهود لتوسيع هذه التجربة وتعميقها وتحسينها، واقع اللغة العربية اليوم لا يُحسد عليه، ضعف الأداء بها تحدثاً وقراءةً وكتابةً لا يحتاج لدليل وهذا يؤدى إلى العزوف عنها والتوجه لتعلم لغات أجنبية كالإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية.

ونذكر هنا أن إتقان العربية الفصحى استماعاً وتحدثاً وقراءةً وكتابةً واجب وحق بالنسبة لكل إنسان عربي و مسلم من أجل التعلم والتقدم الحضاري والإبداع الفكري الذاتي والتماسك الثقافي لدى كافة الشعوب العربية والإسلامية.

ولا شك أننا بحاجة للغة مرنة متطورة باستمرار، نقدرها ونحافظ عليها، نتعلم فيها ونعلم بها جميع المساقات منذ روضة الأطفال وحتى الدراسات العليا. هذا التفاعل الجماعي المتدفق في عملية الدراسة والتدريس والتلاقح مع الحضارة الإنسانية الراهنة سيولد لا محالة وثبة كبيرة في الاتجاه الصحيح، إسرائيل بدأت باستعمال العبرية الحديثة كأداة تعليم لكل المواضيع وفي كل المراحل التعليمية بالرغم من أنها كانت لغة ميتة مدة طويلة وثروتها القاموسية كانت ضئيلة جدا.

العربية التي اتسع معجمها لكافة العلوم والمعارف في العصر العباسي وفي العصر الذهبي الأندلسي قادرة للعب دور أكبر من غيرها مستقبلاً إذا أحرز ناطقوها التقدم العلمي المنشود وساهموا في إخصاب الحضارة الإنسانية الراهنة.

لذلك نقول فليكن النحو في الكلام كالملح في الطعام. ليكن استعمال العربية الأدبية العصرية شاملاً لدى الجميع في ساعات الدوام المدرسي، لدى جميع أعضاء الهيئة التدريسية وفي كل المواضيع التعليمية، أما خارج هذا الإطار التعليمي، في الشارع وفي البيت يعود التلميذ للهجته وبمرور الزمن سيصبح العربي مسيطراً على هذين النمطين الرئيسين للغة الضاد.

ولا ريب في أن الهوة بينهما ستردم باطراد متسارع، وليس من المستبعد بعد حقبة زمنية معينة من انتهاج التغطيس اللغوي الفصيح والإفادة القصوى من التكنولوجيا العالمية في إكساب اللغة، أن نرى أعداداً متزايدة من العرب ذوى سليقة فصيحة مثل ذلك الأعرابي الذي أجاب اللغوي ابن جني حول جمع بعض الأسماء: “فقال له الأعرابي “عثمانون” فقال له ابن جنّي هلا قلتَ “عثامين” "مثل دكاكين، وسراحين وقراطين" فأجاب الأعرابي: إيش عثامين! أرأيتَ إنساناً يتكلم بما ليس من لغته، والله لا أقولها أبدا” "الخصائص 1/242".

وعندها يكون بمقدور العربي السليقي أن "يخاطب كلا بما يحسن" كما قال الأخفش الأوسط! وسيظل البقاء للأصلح والأقوى.



ل الف
كيف ننمّي تذوّقَ الطفل للغة العربيـة الفصيحـة وقدرتَه على استخدامها


للغة العربية الفصحى محبّبة للنفس، سهلة على التقبّل، ميسّرة للتذوُّق والتعلُّم والاستخدام، إلا أن واقعنا اليوم وما يمرّ به المسلمون من ضعف وهوان، ومع امتداد اللغات الأجنبية واللغة العامية في معظم المجتمعات الإسلامية، جعل صعوبات أمام الطفل والشباب، أمام أبناء المسلمين بصفة عامة، في تذوقهم أو دراستهم للغة العربية.

إن كلّ لغة تحتاج من أجل تعلُّم أبنائها لها إِلى بيئة يتلقّي الطفل فيها لغته منذ صغره، منذ طفولته، هذه البيئة المطلوبة غير متوافرة في واقعنا اليوم بالنسبة للغة العربية، يضاف إلى ذلك أن من بين أبنائنا من تخلى عن اللغة العربية مدّعياً صعوبتها ادعاءً لا يقوم على أساس.

ملايين من المسلمين في الأرض لا يعرفون اللغة العربية، أصبحت لغتهم الرسمية لغة أخرى غير العربية مما يوجد صعوبة كبيرة في نشر اللغة العربية، يضاف إلى ذلك وجود قوى شديدة تحارب الإسلام ولغته بين المسلمين، وقامت دعوات كثيرة للتخلّي عن العربية، أو لتغيير حروفها، أو لتغيير حركاتها، قوى كثيرة تعمل مزوّدة بالعدة والعلم والنهج.

في هذا الجو نريد أن ننشر اللغة العربيّة ونحبّبها إلى المسلمين جميعاً، وخاصة إلى أطفال المسلمين، أمام تحدّيات كثيرة جداً.

ولكن الذي يسهّل الأمر أن هذه اللغة هي لغة القرآن، لغة الذكر الذي تعهد الله بحفظه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: 9].

ومما يسهل الأمر كذلك ارتباط هذه اللغة العظيمة بالإيمان، بالإسلام، والقلوب المؤمنة مازالت تخفق بإيمانها وإن كانت ألسنتها عجمت، ومازال هناك مؤمنون يعملون ويجاهدون.

ولكن لا بدَّ أن تلتقي الجهـود على هذا الأمر وعلى غيره من قضايا الإسلام، بدلاً من أن يظل كلٌّ يعمل بمفرده، فتتناثر الجهود ويضعف أثرها.

وكذلك يجب أن يأخذ العملُ صورة الخطة والنهج حتى يتضاعف أثره وعطاؤه، وأن يكون النهج بصورته العامة واحداً لدى الجميع، ولا نستطيع هنا في هذه العجالة إلا أن نُعْطِي ملامح عامة، حتى تتم الدراسات المفصّلة.

إن تذوّق الطفل للغة العربية الفصيحة وقدرته على استخدامها يعتمد على عوامل رئيسة يمكن إيجازها بما يلي:

- المربي وقدرته وما يحمل من خصائص تفيد في هذا الهدف، ومدى التزامه باستخدام اللغة العربية الفصيحة، أو المؤسسات وأمثالها.

- البيئة ومدى توفيرها للجو الصالح، وعدم إثارتها عقبات.

- طبيعة اللغة العربية وخصائصها التي يمكن الاستفادة منها لهذه الغاية.

- الطفل طبيعته وخصائصه التي يمكن الاستفادة منها في هذا السبيل.

أما المربي فلا بدَّ أن يكـون هو نفسه ملتزماً باستخدام اللغة العربية الصحيحة، ويملك القدرة على التوجيه والتربية والبناء، أو أن يكون نال تدريبات وافية على هذه المهمة.

والبيئة هي العامل المؤثِّر بصورة مباشرة وغير مباشرة على تنمية هذا التذوق للغة العربية وعلى استخدامها، والبيئة قد تكون عائقاً أمام هذا الهدف، حين تغزوها اللغات العامية وتسود فيها، أو اللغات الأجنبية، ونقصد بالبيئة: البيت والأسرة، والمدرسة والمربّين، والمجتمع ومؤسساته الثقافية والإعلامية والتربوية.

ولقد كان بعض الخلفاء المسلمين، وبخاصة في العصر الأموي، يرسلون أولادهم إِلى أجواء القبائل العربية حيث تكون اللغة أصفى، ويبقون فيها مدة يتلقون اللغة تلقّيا نقيّاً حتى تصبح طبيعة لهم، ذلك لأنهم أدركوا دور البيئة في الترغيب باللغة وتعلمها، فلا بُدَّ من توفير البيئة الصالحة لتنمية تذوّق الطفل للغة العربية الفصحى، ولا بد من توفير التعليم مع الرعاية والتوجيه.

البيت والأسرة هو الحضن الأول للطفل، سواءً أكان ذلك في مرحلة الحمل أَم الولادة أَم في سائر مراحل نمو الطفل التي سنأتي على ذكرها، ويتحمل الوالدان أكبر مسؤولية في تربية الطفل وتعهّده ونشأته. وبذلك جاء حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة، وأبواه يهوّدانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون منها من جدعاء)) [رواه الشيخان وأبو داود]([1]).

فنستفيد من هذا الحديث الشريف عدة فوائد رئيسة: مسؤولية الوالدين، الفطرة التي فطر الله الناس جميعاً عليها، وأهمية دورها في التربية والبناء، وما أودع الله فيها من قدرات وغرائز، ولنتدبر قوله - سبحانه وتعالى -: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) [الروم: 30ـ32].

فالفطرة تكون في الطفل المولود سليمة غنية بما أودع الله فيها من قدرات تأخذ بالنمو على سنن ربانية، وأهم هذه القدرات: قوة التفكير، العاطفة، الغرائز المختلفة، وقبل ذلك كله الإيمان والتوحيد كأنه النبع الذي يروي جميع القوى والغرائز في الفطرة لتؤدِّي كل قوة أو غريزة دورها الذي خُلِقَتْ له، ما دامت الفطرة سليمة لم تنحرف ولم تلوّث ولم تفسد.

وسلامة الفطرة وحمايتها من الانحراف أو التلوث أو الفساد هي الحق الأول للإنسان، الحق الذي أهملته جميع المؤسسات الدولية أو القطرية لحقوق الإنسان.

وفي جو الأسرة بين الوالدين وسائر أفراد الأسرة يتلقَّى الطفل أَول غذاء لفطرته وقدراته، وأول حاسة تنشط عند الطفل هي حاسة السمع، إنها تنشط فيه وهو جنين في بطن أمه، ويتأثر بكل ما يدخل سمعه في هذا الجو، ولذلك كان من معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم أن نبَّهَنا إلى أهمية حاسة السمع، وذلك بالتوصية بالأذان في أذن المولود اليمنى والإقامة في أذنه اليسرى: فعن الحسين بن علي - رضي الله عنهما - عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((من ولد له ولد فأذّن في أذنه اليمنى، وأقام في أذنه اليسرى لم تضره أم الصبيان)) ([2])، وأم الصبيان هي التابعة من الجن، فالصوت يؤثر في المولود ولو كان لا يعي معنى الكلام.

وعند الموت كان أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يُلقّن المحتضر لا إله إلا الله، فعن أبي سعيد وأبي هريرة وعائشة - رضي الله عنهم - وعن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((لقّنوا موتاكم: لا إله إلا الله)) [رواه أحمد ومسلم وابن ماجه والنسائي]([3])، وفي حياة المؤمن تظل الشهادتان تتردّدان على لسانه وفي قلبه، فهي السمة الأولى التي تظل ترافق المسلم منذ ولادته حتى وفاته، مادام مسلماً مؤمناً.

فحاسة السمع ونشاطها يمكن الاستفادة منها في ترغيب الطفل باللغة العربية وبتغذية الإيمان في قلبه، فالصوت يترك أثره في الجنين وفي الطفل بطريقة ربّانية لا يدركها العلم حتى اليوم.

تقول د. آريان آيزينبرغ وزميلتاها في كتابهنّ: " ماذا تتوقع عندما تنتظر الجنين "، إن حاسة السمع عند الجنين تكون قد تطورت تطوراً كبيراً مع نهاية المرحلة الثانية من الحمل أو بداية المرحلة الثالثة. فيصبح أن الأجنّة يسمعون ما يدور من أحاديث أو قراءات في البيت، أو عند الأصدقاء، ويعتقد بعض الباحثين المختصين في هذا العلم أنه يمكن إثارة الجنين قبل ولادته ليكون مولوداً متميزاً ".

فالبيت والأسرة هما الحضن الأول للطفل، للإنسان، وما يناله في هذه المرحلة المبكرة يكون أَثبت في القلب مما قد يناله في سنوات متأخرة من عمره، وصدق المثل القائل: " العلم في الصغر كالنقش في الحجر "! فلا بد من الحرص على توفير الجو الصالح في البيت والأسرة، وإنها مسؤولية الأمة كلها والعلماء والدعاة والدولة عن العمل لبناء هذا الجو الإيماني في الأسرة المسلمة، ومن هذا الجو يتوافر كثير من العوامل التي تعين على بناء تذوق الطفل للغة العربية الفصيحة وتنميتها، وتنمية قدرته على استخدامها.

والمدرسة جزء رئيس من البيئة كذلك، حيث تتواصل عملية البناء للطفل بين البيت والمعهد، فتكون مسؤولية المربين في المدارس أن يتقنوا التحدّث بالفصحى ليتكونّ الجو المناسب الذي يرعى ويربى في الطفل تذوقه للفصحى واستخدامه لها.

ثم يأَتي المسجد حيث يغلب أن لا يسمع المسلم في المسجد إلا الفصحى، سواءً أكان ذلك بالقرآن الكريم أم الدروس التي تعطى فيه، أم خطبة الجمعة أم غيرها من الأنشطة الإيمانية، وبذلك يرتبط البيت والمعهد والمسجد برباط قوي بحيث تتعاون هذه المراكز الثلاثة فيما بينها على تحقيق الهدف.

وتمتد ميادين البيئة بعد ذلك إلى ما يشاهده الطفل على التلفاز وسائر وسائل الإعلام، وما يسمعه من أقربائه وزملائه في حياتهم العامة.

ولكن هذه الميادين: البيت، المدرسة، المسجد، المجتمع، تكون كلها مسؤولية أُمَّةٍ واحدة، تحمل رسالة واحدة، رسالة الإسلام، وتجاهد من أجله، فيصبح غذاء الطفل في جميع مراحل نموِّه غذاء صالحاً، بالفصحى والإيمان والخلق وغير ذلك، وفي هذه الميادين كلها، يكون هنالك المربي المسؤول.

ونودّ أن نشير هنا إلى قضية رئيسة ذلك أن المسؤولية لا تقف عند حدود المسؤولية المادية الدنيوية، ولكنها مسؤولية ممتدة حتى الدار الآخرة، بين يدي الله - سبحانه وتعالى -، حين يحاسب كل إنسان عن عمله ونيته.

والعامل الآخر الذي يساعد على تنمية التذوق للفصحى هو طبيعة اللغة العربية نفسها، وعظمة خصائصها، وأعتقد أن اللغة العربية وكذلك سائر اللغات انبثقت في أول مراحل تكوينها من لغـة آدم - عليه السلام -، اللغة التي علمه الله إياها: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا....) [البقرة: 31].

وخاطب الله آدم - عليه السلام - باللغة التي علّمه إياها، وخاطب آدم - عليه السلام - ربـه بهذه اللغة، ثم تعلَّمها أولاده الذين تفرّقوا في الأرض باتجاهات مختلفة، ومع كل اتجاه أخذت اللغة تنمو وتتطور في تاريخ طويل حتى أخذت الصـورة التي نجد اللغة عليها اليوم، لغات مختلفة، كان اختلافها آية من آيات الله: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعَالِمِينَ) [الروم: 22].

فهذه اللغات آية من آيات الله ونعمة من نعمه، فبها يتم التخاطب وتتعارف الشعوب، وتقضى الحاجات، وللغة بصورة عامة أثرها الكبير في عملية التفكير لدى الإنسان، حتى إن بعض العلماء المختصين، اعتبروا اللغة هي التفكير، وبعضهم اعتبرها وعاء التفكير، ويزداد أثر اللغة في التفكير كلما كانت اللغة أغنى وأقوى و أكثر نمُوّاً.

وكان من فضل الله كذلك على الإنسان أن علمه البيان كما علمه القرآن: (الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْأِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) [الرحمن: 1ـ4].

وإذا كان لكل لغة نعرفها اليوم تاريخ خاص تطورت من خلاله، فللغة العربية تاريخ خاص متميز، فإذا قلنا إن أول أمرها كان مثل سائر اللغات انبثقت من لغة آدم - عليه السلام -، ثم تطورت حتى أصبحت اللغة العربية الفصحى على لسان إسماعيل - عليه السلام -: فعن عليٍّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((أول من فُتِق لسانه بالعربية المبيَّنة إسماعيل وهو ابن أربع عشرة سنة)) [الشيرازي في الألقاب]([4]).

ولقد كشفت الآثار أن لغة النبي صالح - عليه السلام - قريبة جداً من اللغة العربية الفصحى في حروفها وقواعدها، مما يوحي أن اللغة العربية في كلّ مرحلة من مراحل نموّها كانت لغة نبيّ من الأنبياء ولغة الرسالة الربانية، وكأنها لغة النبوة في مسارها الطويل، حتى إذا اكتمل نضجها نزل بها الوحي الكريم قرآناً عربياً غير ذي عوج، فزادت بركتها وزاد فضلها، وأصبحت بميزان الإسلام والإيمان اللغة المتميزة بخصائص كثيرة من حيث الجمال، والجرس، والبيان، والفصاحة، وحتى ميَّزها الله في كتابه الكريم وأثنى عليها: (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [فصلت: 3].

وآيات أخرى كثيرة في كتاب الله كشفت عظمة هذه اللغة التي اختارها الله - سبحانه وتعالى - وفضلها على لغات العالم كله، فتصبح هذه اللغة العربية منذ نشأتها قديماً وحتى اليوم لغة النبوّة الممتدة في التاريخ مع كل مرحلة من مراحل نموها، على الشكل الذي كانت عليه في كل مرحلة.

ولما فرض الله ورسوله طلب العلم وبخاصة من القرآن الكريم بلغته العربية الفصيحة أصبحت لغةُ القرآن الكريم، لغةَ الإسلام، لغةَ الرسالة الخاتمة التي جاءت للعالمين، للناس كافة: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: 107]، (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) [سبأ: 28].

فهي أصبحت بذلك لغة كلّ مسلم آمن بالله واليوم الآخر، وهي بذلك لغة الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فهي رحمة من الله، وهي بذلك كله لغة الإنسان تمتد مع امتداد الدعوة والبلاغ، وبذلك يكون تقبّلها وتذوّقها سهلاً عند الطفل الذي سلمت فطرته، وهذه خاصة رئيسة لتساعد على تنمية تذوق الفصحى عند الطفل في جميع مراحل نموه.

فلم تعد اللغة العربية لغة قوم محدودين، ولكنها أصبحت لغة الرسالة الممتدة للبشرية كلها.

وإذا استعرضنا جميع الآيات الكريمة التي تحدَّثَتْ عن القرآن الكريم ولغته العربية، لوجدنا أن اللغة العربية من خلال كتاب الله قد ارتبطت بميادين الحياة المختلفة، مما جعلها ميسّرة في كل ميدان: فهي مرتبطة أولاً بالقرآن الكريم ووجوب تدبره، بالتشريع والأحكام، بالإيمان والتوحيد، بالتقوى، بالدعوة والبلاغ، بالتذكير، بالبشرى، بالنذر، بالعقل بالتفكير، وبكل مثل ضربه الله - سبحانه وتعالى - للناس في كتابه الكريم: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) [الزمر: 28، 27].

فحتى ننمِّي عند الطفل تذوّق اللغة العربية يجب أن ننمِّي معها خصائص الإيمان والتوحيد، ونحمي فطرته ونغذِّي الطفل بلغة القرآن، فذلك كله يُنمي تذوقه للغة العربية الفصيحة، وينمّي قدرته على استخدامها، وينمي إيمانه، ويوفّر الحوافز الإيمانية لدى المسلم.

وعندما انطلق المسلمون بفتوحاتهم، أصبحت اللغة العربية لغة هذه الشعوب كلها، وتقبلوها بيسر وسهولة مع تقبّل الإسلام والإيمان، وأصبح من أبناء هذه الشعوب علماء في اللغة العربية وأدباء وشعراء.

ولقد تحدّث عن عظمة اللغة العربية كثيرون من المسلمين ومن غير المسلمين، حديث قناعة، وحجّةٍ وبيان.

وهذا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: " تعلّموا العربية فإنها تُثَبِّتُ العقل وتزيد المروءة " ([5])، وهذا نابع من ارتباطها بالفطرة والإيمان، ومن فضل الله على الناس وعلى اللغة العربية، وقال عمـر بن الخطاب أيضاً: " تعلّموا النحو كما تتعلمون السنن والفرائض "([6])، وقال: " تعلموا إِعراب القرآن كما تعلمون حفظه " ([7])، وكأنَّ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رسم نهجاً ووضع خطة لتعلُّم العربية وترغيبها إلى النفوس.

ومرّ عمر بن الخطاب على قومٍ يسيئون الرمي فقرّعهم، فقالوا: إنا قوم متعلمين، فأعرض مغضباً وقال: لخطؤكم في لسانكم أشدُّ عليَّ من خطئِكم في رميكم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((رحم الله امرئ أصلح من لسانه))! ولحن رجل أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((علّموا أخاكم)).

ورويَ أن أبا عمرو بن العلاء كان يقـول: " لعلمُ العربيّـة هو الدين بعينه " ([8]).

وهذه الخصائص كلها تسهل تنمية تذوق الفصحى عند الأطفال والشباب وأبناء الأمة المسلمة جميعاً.

ومن الضروري أن نشير هنا إِلى أنه لا يحسن أن نعالج قضية تذوق الطفل للفصحى كقضية مستقلة معزولة، كلا! إنها جزء لا يتجزّأ من رسالة الإسلام الخاتمة ودعوته التي يجب أن تمضي في الأرض إلى الناس كافة، فمن الأهداف الربانية الأولى هي تبليغ دعوة الله إلى الناس كافة كما أنزلت على محمد صلى الله عليه وسلم وتعهّدهم عليها، لتحقّق بذلك جوهر العبادة وغاية الأمانة وحقيقة الخلافة وضرورة عمارة الأرض بحضارة الإيمان.

فقضية اللغة العربية قضية مرتبطة بالإسلام وبأمة الإسلام، وبمدى قوتها وتشاطها وامتدادها.

وفي جميع هذه الحالات لا بد من توافر الطاقة القادرة على تحفيز هذه المهمة والقيام بها، وتُطْلَقُ على هذه الطاقة بصفة عامة كلمة: " المربي "! الذي يكون حيناً الوالدين، وحيناً آخر الأساتذة المدرسين، وحينا آخر المؤسسات المتخصصة من ناحية والمؤسسات العامة من ناحية أخرى، إذ يجب على الجميع تبني موضوع اللغة العربية ونشرها وحمايتها وتغذية الأطفال بها، وتنمية تذوقها لدى الأطفال والشباب ولدى الأمة كلها.

وهذه الجهود يجب أن تلتقي كلها في نهج جامع وخطة متكاملة، يحمل ذلك كله الوسائل والأساليب وصدق النيّة وإخلاصها لله - سبحانه وتعالى -.

والخطوة الأولى هي توفير البيئة الصالحة التي توفّر الفرصة لتحقيق هذا الهدف الكريم، البيئة في البيت والمدرسة والمسجد، ثم توفير الطاقات المؤمنة المدرّبة القادرة على حسن العطاء والتربية والبناء، والأرحام والأصدقاء جزء من البيئة التي يجب الحرص على حسن توفيرها.

ثم تبدأ الاستفادة من خصائص الطفل وخاصة حاسة السمع كما ذكرنا، والاستفادة قدر المستطاع من مرحلة الجنين والولادة والطفولة الأولى.

وتبذل الجهود المنهجيّة للاستفادة من خصائص اللغة العربية كما ذكرنا سابقاً، وتسخيرها من أجل هذا الهدف في جميع مراحل الطفولة.

ويجب غرس الإيمان والتوحيد كخطوة رئيسة في بناء الطفولة، من مرحلة الجنين والولادة وسائر المراحل، حتى يوفّر هذا العامل الحافز القوي لتذوق العربية الفصحى ودراستها واستخدامها.

كما يجب توفير البرامج والمناهج والوسائل المحدّدة لكل مرحلة من مراحل الطفولة وأول هذه البرامج توفير الفرصة لسَماع القرآن الكريم يُتلى، وسماع بعض الأحاديث النبوية، وسماع قاعدة بسيطة من قواعد النحو، ثلاثة أشياء تظل متماسكة: القرآن الكريم، الأحاديث النبوية الشريفة، اللغة العربية، ثم ينمو هذا المنهج مع مراحل نمو الطفل حتى يشمل التلاوة اليومية للقرآن الكريم يقوم بها الطفل نفسه على حسب مرحلة نموه، ثم الحفظ المنهجي للقرآن الكريم ومراجعتِه وتعهّده، وحفظ أو دراسة حديث شريف، ويعلّم قاعدة مبسطة من قواعد النحو بأسلوب سهل مشوق؛ لتصبح التلاوة اليومية والحفظ والتعهد والحديث الشريف وقواعد النحو منهجاً ثابتاً في حياة المسلم صحبة عمر وحياة، لا تتوقف حتى يلقى المسلم ربّه.

وفي مرحلة مناسبة تُختار القصائد من الشعر السهل القوي، ليُدرس بعضها ويُحفظ بعضها على منهج محدد وخطة مدروسة.

وفي مرحلة أخرى، يُعطى الطفل فرصة التحدّث بالعربية الفصحى بموضوع يختاره هو أو يُختار له، ويُتجاوَز في المراحل الأولى عن بعض الأخطاء، ويُعالج بعضها الآخر، ويدور حوار بالعربية الفصحى بين المربي والطفل، وتكون هذه الخطوة يومية لمدة ساعة أو ساعتين حسب قدرة الطفل، وحسب الخطة الموضوعة، ويستفاد في هذه المراحل من خصائص الطفولة وأهمها الفطرة وما أودع الله فيها من قدرات ومواهب ورغبات.

وفي مرحلة مناسبة، تصاغ مسرحيّات قصيرة بالعربية الفصحى، يقوم بها الأطفال أنفسهم بعد أن يدرّبوا عليها، كما يمكن أن تنظم حفلات موسمية يتحدّث فيها الأطفال بما يختارونه هم من أدب أو شعر أو موضوعات عامة، كلُّ على قدر جهده ووسعه وميوله.

ونؤكد أنه مع الاعتماد على السماع والتدريب على التحدث بالفصحى، فلا بد أن يصاحب ذلك دراسة قواعد اللغة العربية، نحوها وصرفها وبيانها، بأسلوب مشوّق سهل، ليمتدَّ هذا العمل في مراحل الطفولة كلها، ولا ننسى قول عمر - رضي الله عنه -: " تعلّموا النحو كما تعلمون السنن والفرائض "، وقوله: " تعلموا إعراب القرآن كما تعلمون حفظه "، ولا ننسى قول أبي عمرو بن العلاء: " لعلمُ العربية هو الدين نفسه "، ويزداد تعليم القواعد بأسلوب مشوق مع نمو الطفل ونمو مداركه.

وفي مرحلة مناسبة يشجّع الطفل على المطالعة الذاتية من كتب تناسب سنه مثل القصص والسيرة النبوية، والشعر، والخطب، وغير ذلك.

ومن الوسائل المشوّقة للطفل استخدام الصور الملوّنة، والرسوم الجميلة، والأناشيد المفيدة، والمرح يتخلل النشاط كله.

ويجب الحرص على إبعاد المصادر المفسدة، وإحاطة الطفل بالجو الطاهر المشرق الذي يرعى فطرته ويغذيها بكل ما هو مفيد، حتى تظطرة عاملاً رئيساً مساعداً في عملية التربية والبناء

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://gemyth3geek.egyptfree.net
 
طرق لحل المشكلات التى تواجه اللغة العربية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ياقلبــــــــــــــــــــــــى لا تحـــــــــــزن :: الفئة الأولى :: مواضيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع عامة-
انتقل الى: